
“سياسة الأمر الواقع” كانت الخيار الوحيد المتاح أمام “صقور الجديان” للصمود، في ظل الحرب الطاحنة
الرباط / الرأي السياسي
بينما كانت المدافع تدوي في الخرطوم ومدن سودانية أخرى، كان على محمد عبد الرحمن، قائد المنتخب السوداني لكرة القدم “صقور الجديان”، ورفاقه خوض معركة من نوع آخر؛ معركة الحفاظ على تماسك فريق بلا دوري محلي، وبلا ملعب، وبلا استقرار، لتجنب الفشل في المحافل الدولية.
يرى عبد الرحمن، المعروف جماهيرياً بلقب “الغربال”، أن تبني ما أسماه “سياسة الأمر الواقع” كان الخيار الوحيد المتاح أمام “صقور الجديان” للصمود، في ظل الحرب الطاحنة التي أوقفت عجلة الحياة والرياضة في بلاده منذ منتصف أبريل 2023.
وقال عبد الرحمن في مقابلة مع رويترز قبل خوض مباراة حاسمة في نهائيات كأس الأمم الإفريقية بالمغرب:
“عندما اندلعت الحرب، توقف كل شيء. الدوري، التدريبات، وحتى حياتنا اليومية. لو استسلمنا للمنطق والحسابات التقليدية، لكان مصير هذا المنتخب الانهيار الكامل.
لكننا قررنا التعامل بسياسة الأمر الواقع”.
ويشرح المهاجم الدولي هذه السياسة قائلاً:
“هذا يعني أن نعترف بأن الظروف كارثية، وأن الدوري متوقف، وأننا بعيدون عن عائلاتنا، لكننا نرفض أن نتخذ ذلك ذريعة للفشل.
قررنا أن نخلق واقعنا الخاص؛ نتدرب في المعسكرات الخارجية وكأننا في الخرطوم، ونلعب كل مباراة وكأنها نهائي، لأننا لا نملك ترف التعويض”.
وتوقف الدوري السوداني تماماً منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما أجبر المنتخب الوطني على التحول إلى فريق “رحالة”، يتنقل بين السعودية وليبيا ودول أخرى لإقامة المعسكرات والمباريات، تحت قيادة المدرب الغاني كواسي أبياه.
يعي عبد الرحمن (33) عاماً، الثقل الذي يمثله قميص المنتخب في هذا التوقيت بالذات.
فمع انقسام البلاد وتشتت الملايين بين النزوح واللجوء، بات المنتخب الوطني أحد المؤسسات القليلة التي لا تزال تحظى بإجماع السودانيين.
وأضاف لرويترز:
“نحن لا نلعب كرة القدم فقط. نحن نعلم أن الشعب السوداني يعاني، وأن الـ 90 دقيقة التي نلعبها قد تكون المساحة الوحيدة للفرح والوحدة المتبقية لهم.
هذا الشعور يضع علينا ضغطاً هائلاً، لكنه ضغط إيجابي يدفعنا لتجاوز حاجز التعب والإرهاق الذهني”.
ورغم المخاوف من تأثير غياب التنافسية المحلية على اللياقة البدنية للاعبين، نجح السودان في تقديم مستويات لافتة في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، متصدراً مجموعته في مفاجأة من العيار الثقيل، وهو ما يعزوه القائد إلى العقلية الجديدة.
وتابع: “في كرة القدم، العالم لا يعترف بالأعذار.
لن يقول أحد (خسروا لأن بلادهم في حرب).
التاريخ يسجل النتائج فقط. لذلك، نحن هنا في المغرب لننافس، ونثبت أن السودان لا يزال حياً وقادراً على العطاء رغم الجراح”.
واختتم عبد الرحمن حديثه بالقول:
إن اللاعبين تعاهدوا على القتال حتى آخر دقيقة في البطولة، مستمدين قوتهم من رسائل الدعم التي تصلهم من مخيمات النزوح وبلاد المهجر، مؤكداً أن “سياسة الأمر الواقع” تحولت من مجرد وسيلة للتأقلم إلى عقيدة للفوز.