
د. لمياء عبد الغفار وفوضى القرار التنفيذي.. لماذا أصبحت إقالة وزيرة شؤون مجلس الوزراء ضرورة لا تحتمل التأجيل؟
بقلم: د. النذير عثمان
لم تعد أزمة القرار التنفيذي في السودان قابلة للتوصيف كـ«تخبط عابر» أو «سوء تقدير ظرفي»، بل تحولت إلى حالة فوضى مكتملة الأركان، عنوانها الغياب شبه الكامل لوزارة شؤون مجلس الوزراء، ورمزها المباشر وزيرة شؤون مجلس الوزراء د. لمياء عبد الغفار. وعلى خلفية قرار زيادة أسعار الكهرباء ثم التراجع عنه خلال ساعات، بات من غير المقبول سياسيًا وأخلاقيًا استمرار هذه الوزيرة في موقع يفترض أن يكون عقل الدولة التنفيذي ومنسق عملها.
ما جرى في ملف الكهرباء ليس خطأً تقنيًا ولا سوء تواصل بسيط، بل فضيحة إدارية بكل المقاييس. قرار يمس حياة ملايين المواطنين، يصدر بلا تنسيق، وبلا دراسة معلنة، وبلا غطاء سياسي واضح، ثم يُلغى في اليوم ذاته، في مشهد يهز هيبة الدولة ويقوض ثقة الناس في حكومتهم. الأخطر من القرار نفسه هو أن أحدًا لا يتحمل مسؤوليته، وكأن الدولة تُدار بلا رأس تنفيذي منظم.
وهنا تحديدًا تبرز مسؤولية د. لمياء عبد الغفار، لا بوصفها وزيرة عادية، بل بصفتها المسؤولة الأولى عن ضبط إيقاع مجلس الوزراء، وتنسيق السياسات، ومتابعة تنفيذ القرارات، ومنع صدور أي قرار ارتجالي دون المرور عبر القنوات المؤسسية. ما حدث يؤكد أن هذه المهام لم تُؤدَّ، أو أُهملت، أو غابت تمامًا.
وقبل الكهرباء، جاءت قرارات لا تقل خطورة: طرد مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي بقرار انفرادي، ثم إلغاؤه بواسطة رئيس الوزراء، ليتضح لاحقًا أن القرار صدر دون علم رئيس الوزراء نفسه، ولا حتى وزير الخارجية. أي عبث إداري هذا؟ وأين كانت د. لمياء عبد الغفار حين خرج قرار بهذا الحجم إلى العلن دون تنسيق أو تفويض؟
ثم تأتي الفضيحة الأكبر: قرارات يصدرها رئيس الوزراء شخصيًا – مثل إعفاء الأمتعة الشخصية للعائدين من الخارج من الرسوم الجمركية – ولا تجد طريقها للتنفيذ، لأن وزارة شؤون مجلس الوزراء لم تتابع، ولم تنسق، ولم تمارس أبسط أدوارها. قرار سيادي يُرمى في الأرشيف، وكأن رئيس الوزراء نفسه بلا جهاز إداري يسنده. وهذه ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لشلل وزارة يفترض أن تكون العمود الفقري للعمل التنفيذي.
إن استمرار د. لمياء عبد الغفار في موقعها بعد كل هذا الإخفاق، يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الفشل بلا ثمن، وأن الفوضى بلا محاسبة. الحديث عن أن الوزيرة «لا تتحمل كل الأخطاء» قد يكون صحيحًا نظريًا، لكنه عمليًا يصبح نوعًا من التهرب من جوهر المشكلة. نعم، الجهاز التنفيذي كله يعاني، لكن من المفترض أن تكون وزارة شؤون مجلس الوزراء هي الجهة التي تمنع هذا العجز، لا أن تكون جزءًا منه.
الإقالة هنا ليست تصفية حساب، ولا استجابة لضغط إعلامي، بل خطوة إصلاحية ملحة. فوزارة شؤون مجلس الوزراء، في ظل قيادة عاجزة عن فرض التنسيق والانضباط، تتحول من أداة تنظيم إلى عبء سياسي وإداري. وأي تعديل وزاري يتجاوز هذه الوزارة، هو تعديل شكلي، يعيد تدوير الأزمة بدل حلها.
إن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني مزيدًا من القرارات المرتجلة، ومزيدًا من الإلغاءات المهينة، ومزيدًا من تآكل الثقة بين المواطن والدولة. لذلك، فإن إقالة د. لمياء عبد الغفار لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية، وبداية لا بد منها لإعادة بناء جهاز تنفيذي محترم، يعمل بعقل جماعي، لا بأمزجة فردية.
الدولة لا تُدار بالعشوائية، ولا بالقرارات الهاتفية، ولا بالارتباك. وما لم يُتخذ قرار حاسم الآن، فإن الفوضى التي بدأت بالكهرباء، ستنتهي – لا قدر الله – بإطفاء ما تبقى من ثقة الناس في حكومتهم.