ورحل آخر العنادل الثلاثة بحديقة البرعي

بقلم: د. خالد محمد فرح
رحل عن دنيانا الفانية في مساء يوم الجمعة الماضي، الموافق للتاسع من شهر يناير 2026م، المنشد المجيد، ومادح الجناب النبوي الصداح، الشيخ احمد جاد السيد، وانطفأت برحيله، آخر شعلة من الشعل الباهرة الثلاث، في ذلك المصباح النوري الذي ظل يضوع عرفه سناءً وطيبا لعقود خلون، ألا وهم أولاد البرعي الأوائل: التجاني حاج حامد، وعبد الله الضحوي، وخاتمة عقدهم فقيدنا العزيز أحمد جاد السيد.
لقد شقّ نعيُ المادح أحمد جاد السيد على الكثيرين من أخوته ورفاقه ومعجبيه في الواقع، فأبّنوه وبكوه بالدمع السخين، وأطنبوا وأفاضوا في بيان مناقبه ومزاياه كمؤدٍ عز نظيره في عالم المديح النبوي، وقبل ذلك كرجل صالح، وإنسان نبيل، ذي دين وعفة وخلق قويم.
ومما توقف عنده نفر من اولئك المؤبنين للشيخ أحمد جاد السيد، وقد ساقتهم المناسبة إلى الحديث عن رفيقيه اللذين سبقاه إلى دار الخلود، أن ثلاثتهم قد لقوا وجه ربهم إما في يوم الجمعة، أو في ليلته المباركة. وقد ذكروا في ذات السياق أيضا، أن المادح التجاني حاج حامد قد توفي في يوم عرفة الذي هو يوم الحج الأكبر، وأن كلا صاحبيه قد انتقلا إلى الرفيق الأعلى في شهر رجب الأصم. وقد عدّوا ذلك مُحقّين، من سمات البشرى، ومن دلائل القبول والاصطفاء بإذن الله تعالى.
لقد ظلت تربطني بأولاد البرعي الأوائل هؤلاء رحمهم الله جميعاً، معرفة شخصية عن كثب، توثقت عراها بصفة خاصة، منذ تسعينيات القرن الماضي، وخصوصاً عقب زيارتهم للعاصمة الفرنسية باريس في شتاء عام 1997م، لأول عهدي بها دبلوماسياً بسفارة السودان فيها، بوصفهم أعضاء في البعثة الفنية التي شاركت عامئذٍ، في الفعاليات الثقافية والفنية، التي صاحبت معرض الآثار السودانية الذي نظمه معهد العالم العربي بباريس تحت عنوان: ” السودان: ممالك على النيل “. وقد كان يرافقهم صديقي الشيخ الأستاذ عبد الرحيم حاج أحمد، سبط الشيخ عبد الرحيم البرعي، والأديب والباحث المعروف.
وقد شرفني أولاد البرعي ومرافقهم، ونفر كريم من أعضاء بعثتنا والجالية هناك، بأن لبوا دعوتي لمأدبة عشاء أقمتها على شرفهم في شقتي المتواضعة هناك.
إنني قد نشأتُ وترعرتُ في منطقة، كان مديح البرعي أحد أبرز ملامحها وسماتها الثقافية والفنية، وزادها وعتادها الوجداني.
فما تزال تطرق أذني عبر شريط ذكريات الطفولة الباكرة، أصوات وأنغام أماديح الشيخ البرعي النبوية والصوفية، التي نشأنا عليها، وظل يتشربها وجداننا بمختلف أنماطها ومستوياتها وموضوعاتها.
وهنا ترجع بي الذاكرة إلى ذلك النمط الشعبي المحلي من قصائد البرعي الصوفية الباكرة، وهي قصائد كانت سهلة الأسلوب، مما يروق لجمهور العامة من ” ناس البلد “، إذ ليس فيها ذلك القدر الواضح والكبير ، من العمق المعرفي والتعقيد الفلسفي، الذي وسم كثيراً من قصائده التي ألفها خلال العقود الأخيرة.
تلك لعمري قصائد من ذلك النوع الذي كان يحلو لابن عمٍ لي نحسبه من الصالحين، هو الشيخ آدم بابكر الملقب ب ” اب داهوجة ” ترديده مثل قول الراوي:
وريث الجيلي
البى النهار والليل
ذاكر القدوس
فيضهُ كالسيلِ.. الخ
او قوله:
طمعنا .. طمعنا قوماك ..الخ
حتى لقبه أهل القرية والبلد من حولها ” قوماك ” من فرط ترداده لها. وغير ذلك مما كان يلذ لأخي أحمد الذي يكبرني ببضعة أعوام، ترديده على طريقة أب داهوجة رحمه الله.
ولما شببنا عن الطوق وصرنا صبية مدركين شيئا ما، كان يحلو لنا أن نؤمّ حلقة المديح التي كانت تنعقد ضحى كل خميس، وهو يوم السوق الأسبوعي بقريتنا: أم دم حاج أحمد، في ظل شجرة الهجليج التي كانت كائنة لعهدنا، أمام طاحونة ” الفكي محمد دين العبيد “، في الزاوية الجنوبية الغربية من الجزء الشمالي من ذلك السوق العامر حقا.
لقد كان يُحيي تلك الحلقة، ثلاثة من المادحين الأوائل لمديح الشيخ البرعي القديم، وكذلك قصائد غيره من كبار المداح السودانيين عموماً، مثل: اب كساوي، وود اب شريعة، وأحمد ود سعد، وود تميم، وحاج العاقب، وحياتي الحاج حمد وغيرهم.
وقد كان أولئك المداح الثلاثة، من معاصري الشيخ محمد وقيع الله نفسه 1865 – 1944م، وحوارييه، ألا وهم المشايخ الكَرَوْ، والرِحيمة، والحاج ود كدفور عليهم رحمة الله، وهذا الأخير هو عمي بن عم أبي، وخالي بن عم أمي معا.
وما أكثر ما سمعنا الشيخ الكرو، وقد كان أسنّ أولئك النفر الثلاثة ومقَدّمَهم، وهو يرفع عقيرته بمثل قول الشيخ البرعي:
دي حاليش البقتْ زفته
الناس للدين ما ملتفته .. الخ
قالوا، والكرو هو اختصار للقب ” الكروان ” الذي أطلقه عليه الشيخ محمد وقيع الله ، نظراً لجمال صوته.
ولما دخلنا مدرسة أم دم الاولية التي صارت الابتدائية فيما بعد، ما بين النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي إلى اوائل السبعينات منه، وهي نفس السنوات التي شهدت بروز أولاد البرعي الاوائل وازدهار نشاطهم، خصوصا مع ظهور أجهزة الكاسيت أولاً، ثم وصول بعض تسجيلاتهم إلى الاذاعة الوطنية لاحقا، سعدنا خلال ذات الفترة، برفقة نفر كريم من زملائنا من ” عيال الزريبة ” بالمدرسة، الذين كانوا يشنّفون آذاننا بجديد إنتاج الشيخ البرعي من المدائح، في ليالي السمر، وفي غيرها من الليالي المقمرة بعرصات المدرسة.
ضمت تلك الكوكبة من التلاميذ والمداح الهواة الصغار، أخوة أعزاء هم: إسماعيل الحاج آدم، والنور عجبنا، ومحمد عبد الله الدافوري، وعبد المحمود إبراهيم الشهير ب ” محيميد “، والأمين محمد موسى، والفضل الفكي ميرغني وأخوه السماني، والناجي عوض السيد، وآخرين غيرهم ندّت عني أسماؤهم لتطاول العهد.
وقد صار بعض أولئك المنشدين والمادحين الصغار فيما بعد، مُدّاحاً كبارا حقاً، يُشار إليهم بالبنان، في إطار مجموعات أولاد البرعي المختلفة، مثل يس عبد الجبار ، وعثمان بابكر وغيرهما.
ذهب بعض الكُتّاب والمدوّنين من محبي أداء أولاد البرعي الأوائل في المديح، ومنهم صديقنا ونجل أستاذنا الجليل، الدكتور عمر الحبر يوسف نور الدائم، ذهبوا محقين في معرض ما نشروا عقب وفاة الشيخ ود جاد السيد، إلى تأكيد عبقرية الشيخ البرعي في معرفته بخصائص أصوات مؤدي مدائحه وطبقاتها، وخصوصاً ملاءمتها لطبيعة ودلالات النصوص المعنية بالأداء ، كلاً بما يناسبه.
فالتيجاني حاج حامد بصوته الجهوري النفاذ، وسمته الحيوي، وشخصيته الجريئة والمبادرة، كرجل ” كُلفاح وقومابي ” ، كان الشيخ يختار له أداء القصائد الصوفية، خصوصاً من ذات الإيقاع الحربي كاللالوبيات، اي تلك التي تبدأ بعبارة ” يا اللالوب ” والمقصود بها مسبحة الذكر الالفية المصنوعة من ثمار اللالوب ، وما جرى بمجراها لحناً أيضاً من المدائح النبوية مثل قصيدة:
للرب دلّ
ضوّى الكون
هدى من ضلّ
نبي الخير !
ولخصائص صوته وشخصيته الجريئة أبضاً، عهد إليه الشيخ البرعي في تقديرنا، بأداء واحدة من أطرف مدائحه النبوية، التي جارى بها سلفه الشيخ ” حياتي الحاج حمد ” في مجموعة قصائده ” الطاب زمانيات” ، اي تلك التي تبدأ الواحدة منهن بعبارة ” طاب زماني “. ومدحة الشيخ البرعي الطريفة المعنية التي أداها التجاني حامد هي :
قلّ صبري ومطمعي
بالله للنبي قوم معي
ووجه الطرافة فيها هو قوله؛
جنبني ربي ومن معي
مستشفى سوبا الجامعي
وانما سأل الله أن يجنبه ومن معه مستشفى سوبا الجامعي، لانه مظنة استقبال الحالات المرضية المستعصية، التي يعجز أطباء مستشفيات المحافظات والأقاليم عن علاجها.
هذا، وآية الابداع اللحني والأدائي في سائر طاب زمانيات حياتي وقصيدة البرعي المذكورة ، هو جيشان صدر المؤدي والجوقة المصاحبة له بصورة بديعة ومدهشة بعبارة ” يا ليل هليلا ! “، وبالطبع لم يكن هنالك أنسب من التجاني بخصائص صوته وشخصيته التي ذكرنا ، لأداء تلك المدحة بإتقان معجب.
أما المادح عبد الله الضحوي، فقد كان يتميز بصوت عميق وهادئ النبرة، وبشخصية حيية ورزينة، ولذلك كان يقع عليه اختيار الشيخ البرعي لأداء طوال القصائد التي تحتاج لنفس طويل، وتؤدة في الأداء ، وتفنن في الانتقالات وهلم جرا. تلك لعمري قصائد مثل قصيدة ” البوكسي ” الفريدة في نوعها وموضوعها في ديوان المديح النبوي التقليدي في السودان، والتي مطلعها:
عليّ شوقك طال
والدمع صب هطّال
في الرسل فرعك طال
يا الخير نبينا
وكذلك القصيدة التي طبقت شهرتها الآفاق في بابها ؛ ” مصر المؤمنة ” ، وغيرهما من القصائد الطوال الجياد.
وأما فقيدنا المأسوف عليه حقاً ، الشيخ أحمد جاد السيد، فنظراً لما تميز به من نداوة الصوت وعذوبته، وما كان يشوب ذلك الصوت من رنة حزن، ومسحة أسى روحانية الطابع، فقد كان الشيخ البرعي رحمه الله، يختاره لأداء القصائد والمدائح ذات الطابع الوجداني البحت غالبا. تلك القصائد المفعمة بالشوق والحنين لزيارة الحرمين الشريفين وقبر النبي الكريم وروضته المطهرة، فضلاً عن تخصيصه عليه السلام، بأزكى الصلوات منه، زلفى وتقرباً إلى مرضاة الله.
تلك لعمري مدائح مثل قصيدة:
للنبي سيّد هوازن
صلوات للكون توازن
وقصيدة:
لام سور محتاجِ
لومي أنا الما أقوم في الدّاجي
أو قصيدة:
أنا مشتاق بلحيل لى سمح السجا ..
ما نطق المعلّم بحروف الهِجا
أو مادح ترنّم
أو شاتم هجا
صلوات للمبارك
الفوقو الحَجَا
بيها البرعي فايز كالقوم ينهجا
وإنا لنرجو أن تغشى روح المادح ود جاد السيد نفحة من ثواب تلك الصلاة الزاكية على النبي الكريم ، ورحمة الله عليك يا ود جاد السيد في الخالدين.