ام درمان : نهاد أحمد
نظم مركز وعي بمنتجع الراكوبه في ام درمان امس ورشة تفاكرية بعنوان “الإعلام الرقمي بين التوعية والتضليل”، تناولت مخاطر الحرب النفسية التي تستهدف المجتمع السوداني ، وسط حضور إعلاميين وأكاديميين وعسكريين.
ورحب مدير المركز محمد جمعة نوار بالحضور، مؤكداً أهمية الورشة في مناقشة قضية أرقت المواطنين والمسؤولين على حد سواء.
وقال العقيد خالد محمد عبد الله من إدارة الحرب النفسية بالقوات المسلحة إن البلاد تتعرض لحرب نفسية منظمة تديرها ماكينة ضخمة من العقول وقنوات فضائية و”جيش إلكتروني” بهدف خلق مجتمع فاشل وحكومة فاشلة.
وأضاف أن هذه الحرب تستهدف الجبهة الداخلية المتمثلة في الجيش والشرطة والأمن والنقابات، مؤكداً أن انهيار الدول مثل ليبيا واليمن وسوريا بدأ بانهيار جبهتها الداخلية.
وأوضح أن القوات المسلحة تمتلك “ترمومتراً” يقيس الحالة المعنوية للجبهة الداخلية، من مستوى الأمن والتفاؤل إلى الخوف والرعب، وتُبنى عليه القرارات والتصريحات.
سلاح الشائعات أخطر من السلاح المادي
وشدد العقيد على أن الحرب النفسية لا تقل خطورة عن الحرب المادية، بل قد تكون حاسمة في تحديد نتيجة المعارك.
وأشار إلى أن “سلاح الشائعات والدعاية” أصبح فتاكاً وأقوى من أسلحة الجيش، خاصة في ظل انتشار الموبايل الذي يمتلكه أكثر من 20 مليون سوداني.
وأوضح أن “الخوف والتوتر والهم” كانت من أبرز الذخائر المستخدمة لتثبيط همم الشعب والجيش، وأن الإعلام صنع مسرحاً افتراضياً وهمياً لمعركة الكرامة يبعد العالم عن حقيقة المعركة على الأرض.
من جانبه، قال وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم المكلف الطيب سعد الدين إن المشهد الإعلامي شهد تحولات كبيرة بعد الحرب، حيث وجد الصحفيون فرصاً أوسع للعمل عبر المنصات الرقمية التي أصبحت أكثر انتشاراً وتأثيراً من الصحف الورقية التقليدية.
وأكد أن الورشة حذرت من خطورة الشائعات ودعت لإعلام رقمي مهني يحصّن الجبهة الداخلية.
ودعا سعد الدين الصحفيين إلى الالتزام بالمصداقية والتحقق من المعلومات قبل نشرها، وعدم الانجرار وراء المحتوى المضلل الذي يستهدف زعزعة الاستقرار المجتمعي وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.
وشدد على أن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعلام وطني واعٍ قادر على حماية الوعي المجتمعي عبر تقديم محتوى مهني يعزز التماسك الاجتماعي.
واضاف إن غياب الثقة بين الدولة والصحفي يفاقم المشكلة، مشيراً إلى أن الصحفي يعتقد أن الدولة تمنع عنه المعلومة، بينما تعتقد السلطة أن الصحفي ينقل كل ما يصل إليه دون تمحيص.
و قدم الدكتور زهير الطيب بانقا ورقة علمية بعنوان “الإعلام الرقمي بين الشرعية والتضليل”، تناول فيها ظاهرة الشائعات عبر الوسائط الرقمية، موضحاً أسباب انتشارها والعوامل التي تسهم في سرعة تداولها، لا سيما خلال فترات الحروب والأزمات.
وأوضح بانقا أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مفتوحة للتأثير وصناعة الرأي العام، الأمر الذي منحها تأثيراً مباشراً على الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، مشيراً إلى أن ضعف الوعي الرقمي وغياب التحقق من المعلومات يسهمان بشكل كبير في انتشار الأخبار الزائفة.
وأشار إلى أن الشائعات تنشط غالباً في ظل الفراغ المعلوماتي وضعف المصادر الرسمية، داعياً المؤسسات الحكومية والإعلامية إلى تبني سياسات اتصال فعّالة تقوم على السرعة والشفافية في نشر المعلومات.
وأكد أن الإعلام الرقمي، رغم ما يحمله من تحديات ومخاطر، يمثل فرصة مهمة لبناء خطاب وطني إيجابي متى ما تم توظيفه بصورة مهنية، لافتاً إلى أهمية تدريب الصحفيين وصناع المحتوى على مهارات التحقق الرقمي ومكافحة التضليل الإعلامي.
وأكدت الأستاذة داليا إلياس وقوف الوسط الإعلامي خلف القوات المسلحة، وقالت:
“نحن كإعلاميين ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا في هذه المرحلة. موقفنا واضح: الاصطفاف مع القوات المسلحة وحماية الجبهة الداخلية من أي محاولات للنيل منها عبر الشائعات والحرب النفسية.
المرحلة تتطلب أن يكون الإعلام سداً منيعاً في وجه التضليل، وأداة لرفع الوعي وتثبيت الحقائق. لن نسمح بأن يتحول المنبر الإعلامي إلى ساحة تُدار منها معارك الكسر المعنوي ضد شعبنا وجيشنا.”
كما أوصت الورشة بضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة المختصة لمكافحة الشائعات، وتفعيل آليات التحقق من الأخبار، إلى جانب دعم الإعلام المهني الوطني القادر على مواجهة حملات التضليل.
ودعت التوصيات إلى تنظيم دورات تدريبية متخصصة في الأمن المعلوماتي والصحافة الرقمية، وتوسيع حملات التوعية المجتمعية بمخاطر الحرب النفسية، فضلاً عن إنشاء وحدات للرصد الإعلامي تعمل على متابعة المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي وتحليل تأثيراته على المجتمع والأمن القومي.
وأكدت الورشة في ختام أعمالها أن معركة الوعي باتت جزءاً أساسياً من معارك الدولة الحديثة، وأن بناء إعلام مهني ومسؤول يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وحملات التضليل الممنهج.