
ورشة عن قضايا الصحافة الورقية .. تبشر بإمكانية عودتها
الخرطوم : نهاد أحمد
لبحث قضايا الصحافة الورقية نظمت شركة الجاسر للطباعة والنشر وصحيفة مصادر بفندق كانون بالخرطوم العمارات، ورشة . حملت عنوان العودة الممكنة.. و التشاور حول «المحتوى، الطباعة، التوزيع والإعلان» ، ووضع تصورات عملية لتجاوز التحديات التي خلفتها الحرب. بحضور شهد اعمدة الصحافة
المتمثله فى الطباعة والتوزيع والإعلان، وشهدت الورشة نقاشاً مستفيضا حول هل تستطيع الصحافة الورقية العودة إلى السودان في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟
وجاءت الإجابات أقرب إلى التأكيد بأن العودة ممكنة لكنها لن تكون نسخة مطابقة لما قبل الحرب، وإنما تحتاج إلى نموذج جديد يأخذ في الاعتبار التحولات الاقتصادية و التكنولوجية وتغير سلوك القارئ.
وأكد المشاركون أن الصحيفة الورقية لا ينبغي أن تدخل في مواجهة مع الصحافة الإلكترونية، بل تعمل إلى جانبها، بحيث تحتفظ الصحيفة بنسختها المطبوعة مع تعزيز حضورها الرقمي وتوسيع مصادر دخلها.
وفي محور التوزيع، أشار واحد من أصحاب شركات التوزيع إلى أن قلة الأكشاك في العاصمة تمثل أحد التحديات التي يمكن أن تواجه عودة الصحف الورقية، متوقعاً أن تبلغ نسبة التوزيع نحو 60% ما لم يتم ابتكار قنوات جديدة للوصول إلى القارئ.
واقترح البحث عن بدائل، من بينها نظام الاشتراكات وتوسيع قنوات التوزيع، إلى جانب إمكانية الاستفادة من التوزيع الحكومي عبر شركة توزيع ولاية الخرطوم، بما يساعد على إيصال الصحيفة إلى المؤسسات والقراء بصورة أكثر انتظاماً.
وتبدو مشكلة التوزيع أكثر تعقيداً خارج العاصمة، في ظل ارتفاع كلفة النقل وضعف شبكات التوزيع، الأمر الذي قد يجعل وصول النسخة المطبوعة إلى الولايات أكثر كلفة ويحد من انتشارها.
وفي محور الإعلان، قدم جمال تناولت ورقته واقع الإعلان وإمكاناته في دعم الصحافة الورقية، مطمئناً إلى أن الإعلان يمكن أن يسهم في تغطية تكاليف النشر، خاصة في حال اعتماد أسعار مناسبة وقابلة للتعامل معها من جانب المعلنين.
ويكتسب الإعلان أهمية استثنائية في معادلة عودة الصحف.
وأوضحت ورقة عمل بعنوان «مستقبل طباعة الصحف في السودان: التحديات والفرص واستشراف الطريق»، أعدها المهندس خضر علي العامر، أن صناعة الصحافة المطبوعة تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الورق والأحبار ومواد الطباعة، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع كلفة الكهرباء والوقود والنقل والصيانة.
وأشارت الورقة إلى أن الحرب فاقمت الأزمة، بعدما تعرضت مطابع ومنشآت عاملة في صناعة الصحافة لأضرار كبيرة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية وصعوبات في استعادة عمليات الطباعة بصورة منتظمة.
كما تواجه الصحافة الورقية تحدياً آخر لا يقل خطورة، يتمثل في المنافسة المتصاعدة من المنصات الرقمية التي تتميز بسرعة نشر الأخبار وانخفاض كلفة الوصول إلى الجمهور، إلى جانب تغير عادات القراءة، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة.
ولم تعد أزمة الصحافة الورقية مرتبطة بالمطبعة وحدها فالقطاع مطالب أيضاً بتحديث أدواته وأساليب إنتاجه.
وحددت الورقة تحديات تقنية تتعلق بتقادم معدات الطباعة وارتفاع كلفة قطع الغيار ومحدودية استخدام أنظمة الإنتاج الرقمية الحديثة، داعية إلى الاستثمار في تحديث المطابع ودمج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التحرير والإخراج والتخطيط للإنتاج.
وبذلك، فإن عودة الصحيفة لا تعني بالضرورة العودة إلى النموذج القديم، وإنما إعادة بناء صناعة صحفية أكثر مرونة، تجمع بين قوة النسخة الورقية وسرعة المنصة الرقمية.
ورغم كل هذه التحديات، ظل حلم العودة حاضراً لدى المشاركين في الملتقى، باعتبار أن الصحيفة الورقية ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما جزء من ذاكرة المجتمع السوداني وصناعة الرأي العام وتوثيق الأحداث.
فالنسخة الورقية تمنح القارئ منتجاً يمكن الاحتفاظ به والعودة إليه، كما تمثل سجلاً تاريخياً للأحداث، وهو ما يجعل الحفاظ عليها، في نظر المشاركين، قضية تتجاوز الجانب التجاري إلى البعد المهني والثقافي.
ودعا الملتقى إلى دعم قطاع الصحافة المطبوعة بصورة مباشرة، وإعفاء الورق والأحبار ومواد الطباعة المساعدة من الرسوم الجمركية .
ويبدو أن المعركة الحقيقية أمام الصحافة السودانية ليست فقط في إعادة تشغيل المطابع، وإنما في إعادة بناء السلسلة الكاملة لصناعة الصحيفة: من المحتوى إلى الطباعة، ومن الإعلان إلى التوزيع، ومن المطبعة إلى يد القارئ.
فالعودة ممكنة.. لكن الصحافة التي ستعود بعد الحرب لن تكون هي الصحافة التي غادرت قبلها