
عايدة سعد تكتب..السودان للأمم المتحدة… كل ما سألت عليك صدوني حراسك!!
في نيويورك، حيث تتحدث الدول بلغة المصالح قبل العواطف، وحيث لا تكفي المآسي وحدها لصناعة المواقف، يصل السودان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة محمّلاً بحربٍ أثقلت البلاد، وأزمة إنسانية لا يمكن للعالم أن يتجاهلها، وأسئلة أكبر من مجرد وقف إطلاق النار.
الدورة الـ81 للجمعية العامة تنعقد هذا العام تحت عنوان “استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع” ، بينما السودان نفسه يبحث عن الثقة المفقودة، وعن دولة تستعيد عافيتها، وعن سلام لا يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الحرب.
السودان لا يذهب إلى نيويورك ليحكي للعالم أنه بلد منكوب فقط. هذه الرواية أصبحت معروفة. فالأمم المتحدة نفسها تتحدث عن واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، وعن ملايين النازحين والمتضررين من الحرب. كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً إلى محاسبة الدول التي تمد أطراف الحرب بالسلاح، محذراً من أن التدخل الخارجي يزيد معاناة السودانيين.
فالحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، السلاح يعبر الحدود، والمواقف الدولية تتقاطع، والمبادرات تتكاثر، ولا جديد يذكر.
وهنا تحديداً تحتاج الخرطوم إلى أن تتحدث بوضوح.
ليس المطلوب خطاباً دبلوماسياً مليئاً بالعبارات المنمقة، ولا شكوى طويلة من المجتمع الدولي. المطلوب وضع الأسئلة الصعبة أمام العالم: من يسلّح مليشيا الدعم السريع ؟ ومن يمول استمرارها؟ لماذا تتحول بعض الدول من وسيط إلى طرف؟ ولماذا يُطلب من السودان أن يقبل حلولاً سياسية بينما يستمر تدفق السلاح إلى الميدان؟
فالسلام لا يُصنع في قاعات الأمم المتحدة إذا كانت البنادق تُموّل خارجها، هذه الحقيقة يجب أن تكون في قلب الخطاب السوداني.
وفي المقابل، فإن الخرطوم مطالبة أيضاً بأن تقول للعالم ماذا تريد بعد الحرب. هل تريد دولة موحدة؟ جيشاً واحداً؟ مؤسسات مدنية منتخبة؟ انتقالاً سياسياً؟ عدالة ومحاسبة؟ إعادة إعمار؟
والأهم أن السودان يحتاج إلى التفريق بين التدويل الذي يحشد الدعم للشعب السوداني، والتدويل الذي يصادر القرار السوداني.
فالسودان،يحتاج إلى المساعدات، وإلى إعادة الإعمار، وإلى الدعم الدولي، وإلى الضغط من أجل وقف استهداف المدنيين. لكنهم في الوقت نفسه لا يحتاجون إلى وصاية سياسية تُكتب فيها مستقبل بلادهم خارج حدودها.
وهنا تصبح الجمعية العامة فرصة حقيقية للخرطوم كي تقول: نعم، نحتاج المجتمع الدولي، لكننا لا نريد أن يتحول احتياجنا إلى باب للوصاية.
واللافت أن ملف السودان حاضر بقوة على هامش اجتماعات الجمعية العامة هذا العام، بما في ذلك التحركات الإنسانية والدبلوماسية المرتبطة بالحرب.
السودان يحتاج أن يقول للعالم إن الحرب ليست أرقاماً في تقارير الإغاثة، وإن ملايين النازحين ليسوا مجرد إحصائية، وإن الدولة السودانية ليست ملفاً مفتوحاً للمساومات الدولية.
وفي المقابل، على الخرطوم أن تدرك أن العالم لن يكتفي بسماع رواية واحدة. سيطرح أسئلة عن حماية المدنيين، وعن العدالة، وعن مستقبل الحكم، وعن كيفية إنهاء الحرب، وعن شكل الدولة بعد توقف المدافع.
المواجهة الحقيقية ليست في نيويورك.. بل في الإجابات.
فإذا ذهب السودان إلى الجمعية العامة ليطلب فقط إدانة خصومه، فقد يفوّت فرصة أكبر.
أما إذا ذهب ليضع أمام العالم خريطة واضحة: هذه حربنا، وهذه تدخلات الخارج، وهذه احتياجات شعبنا، وهذا تصورنا للدولة التي نريد بناءها بعد الحرب، فعندها يمكن أن يتحول الحضور السوداني من مجرد مشاركة دبلوماسية إلى موقف سياسي له أثر.
في النهاية، الأمم المتحدة لن تخوض الحرب نيابة عن السودان، ولن تبني الدولة نيابة عنهم.
لكنها تستطيع أن تضغط، وتساعد، وتراقب، وتحشد، وتمنع بعض التدخلات، وتفتح الطريق أمام الحل.
أما القرار الأخير، فيبقى سودانياً، وهنا تكمن أهمية نيويورك هذه المرة:
ليس أن يسمع العالم السودان فقط، بل أن يعرف السودان ماذا يريد أن يقول.