حوار مع المدير العام للجهاز القومي لتشغيل الخريجين

ثمة عدة تساؤلات حول خطة الجهاز القومي لتشغيل الخريجين وكيفية معالجة الظروف الراهنة للألف الخريجين ما بعد الحرب الرأي السياسي  بحثت عن العديد من الإجابات مع المدير العام في هذه المساحة ليكشف لنا اين وكيف وماهي المشاريع والعقبات التى تعتلي مشاريع تشغيل الخريجين في غياب الدعم من قبل المؤسسات الدولة واجاب حول لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهات

 

حوار- فائز عبدالله

 

. متى تأسس الجها وما هي الفكرة التي قام عليها وما هي أبرز المحطات التي مر بها الجهاز حتى اندلاع الحرب؟؟
. بالأرقام كم عدد الخريجين الذين تم تمويلهم وتشغيلهم فعليا وما هي أبرز قصص النجاح التي تعتبرونها نموذجا لعمل الجهاز؟؟
. بكل شفافية ما هي أسباب تعثر الكثير من مشاريع الخريجين هل كانت المشكلة في التمويل أم في التدريب أم في عدم متابعة المشاريع على الأرض؟؟
الحرب دمرت كل شيء ماذا خسر الجهاز من مقرات وقواعد بيانات ومشاريع ممولة وكيف تتعامل الآن مع الخريجين الذين فقدوا مشاريعهم بسبب الحرب؟؟
كثر الحديث عن أن التوظيف في الجهاز كان يتم عبر الواسطة والمحسوبية وليس عبر الكفاءة ما ردكم على هذا الاتهام وكيف تضمنون العدالة الان؟؟
بعد تحرير الخطوم وام درمان ما هي خطتكم العاجلة لما بعد الحرب وهل لديكم برامج جديدة تتناسب مع واقع الخريج الذي فقد كل شيء ويحتاج للبدء من الصفر؟؟
. رسالتكم الأخيرة لآلاف الخريجين العاطلين الذين فقدوا الامل ويقولون أن الجهاز مجرد لافتة بلا خدمة ماذا تقولون لهم اليوم؟؟
السؤال الأول: متى تأسس الجهاز؟ وما الفكرة التي قام عليها؟ وما أبرز المحطات التي مر بها حتى اندلاع الحرب؟
الإجابة:
تأسس الجهاز القومي لتشغيل الخريجين عام 1998م بإرادة وطنية ورؤية استراتيجية هدفت إلى تحويل طاقات خريجي الجامعات والمعاهد والكليات التقنية والتلمذة الصناعية في السودان من انتظار الوظيفة الحكومية إلى المشاركة الفاعلة في الإنتاج وريادة الأعمال.
وقامت الفكرة الأساسية للجهاز على استيعاب قدرات الخريجين في مختلف التخصصات، ثم إعادة تأهيلهم من خلال التدريب التحويلي وبرامج ريادة الأعمال، ومساعدتهم على تأسيس مشروعات قابلة للنمو عبر التمويل الأصغر، إلى جانب الرعاية الفنية والمتابعة اللازمة، وكان الهدف أن تنتقل أفكار الخريجين من مجرد مبادرات فردية إلى مشروعات اقتصادية منتجة ومستدامة.
مر الجهاز بعدة مراحل مهمة بدأت المرحلة الأولى بتأسيس الهياكل وبناء القدرات والتوسع في الولايات، ثم انتقل إلى مرحلة توسيع الشراكات مع مؤسسات التمويل والقطاع المصرفي وديوان الزكاة والمنظمات التنموية، وبعد ذلك اتجه إلى تطوير حاضنات الأعمال، وتشجيع المشروعات الجماعية والنوعية، وتحسين آليات التدريب والمتابعة.
وقبيل اندلاع الحرب كان الجهاز قد بدأ خطوات مهمة في التحول الرقمي وتطوير نظم المتابعة والتدريب، غير أن الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد أثرت في مسيرة الجهاز، كما أثرت في مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني بوجه عام.
السؤال الثاني: بالأرقام، كم عدد الخريجين الذين جرى تمويلهم وتشغيلهم فعلياً؟ وما أبرز قصص النجاح التي تعتبرونها نموذجاً لعمل الجهاز؟
الإجابة:
منذ تأسيس الجهاز عام 1998م وحتى اندلاع الحرب، تمكّن الجهاز من تمويل وتشغيل عشرات الآلاف من الخريجين والخريجات في مختلف أنحاء السودان، وفي قطاعات متعددة شملت الزراعة والإنتاج الحيواني والتصنيع والخدمات والتقنية.
ونحن نعمل حالياً على مراجعة وتوحيد البيانات الواردة من الولايات، تمهيداً لإعلان الرقم الإجمالي الرسمي بصورة دقيقة وشفافة، والأهم من عدد المستفيدين هو أن برامج الجهاز ساعدت آلاف الخريجين على الانتقال من البحث عن فرصة عمل إلى إنشاء مشروعات توفر دخلاً لهم، وتفتح فرصاً جديدة لغيرهم.
أما قصص النجاح فهي متعددة، فقد بدأ عدد من الخريجين بمشروعات صغيرة في مجالات التصنيع الزراعي وإنتاج الدواجن والخدمات التقنية والحلول الرقمية، ثم تمكنوا مع مرور الوقت من توسيع أعمالهم وتشغيل خريجين آخرين، كما أسهمت بعض هذه المشروعات في تلبية جانب من احتياجات الأسواق المحلية في عدد من الولايات.
هذه النماذج تؤكد أن الخريج السوداني يمتلك القدرة على الابتكار والإنتاج متى توفرت له بيئة مناسبة، وتمويل ملائم، وتدريب عملي، ومتابعة فنية مستمرة.
السؤال الثالث: بكل شفافية، ما أسباب تعثر كثير من مشروعات الخريجين؟ هل كانت المشكلة في التمويل أم التدريب أم في غياب المتابعة الميدانية؟
الإجابة:
بكل وضوح شهدت بعض المشروعات تعثراً، ولا يمكن اختزال ذلك في سبب واحد، فقد تداخلت مجموعة من العوامل الاقتصادية والإدارية والتسويقية، وأثرت بدرجات متفاوتة في قدرة المشروعات على الاستمرار.
أول هذه العوامل هو الوضع الاقتصادي العام، فقد أدت التقلبات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتذبذب أسعار الصرف إلى تغيير تكاليف التشغيل وإضعاف بعض دراسات الجدوى التي أُعدت في ظروف مختلفة.
كما واجه عدد من الخريجين صعوبات في تأمين المدخلات، وتسويق المنتجات، والوصول إلى شبكات توزيع مستقرة، وهذه التحديات تكون أكثر حدة بالنسبة للمشروعات الصغيرة التي لا تمتلك احتياطيات مالية أو قنوات تسويق واسعة.
ونعترف كذلك بأن التمويل لم يكن كافياً في بعض المراحل لمواكبة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وأن المتابعة الفنية والميدانية لم تكن بالمستوى المطلوب في بعض الفترات، نتيجة محدودية الإمكانات واتساع الانتشار الجغرافي.
لكننا لا نحمل الخريج وحده مسؤولية التعثر، فالتعثر بالنسبة لنا درس مؤسسي يستوجب المراجعة والتطوير، ولهذا اتجهنا إلى تحسين دراسات الجدوى، وتطوير آليات التمويل، وتشجيع التمويل الجماعي، وتفعيل حاضنات الأعمال، وتعزيز الإشراف الفني المباشر والمتابعة المستمرة، حتى لا يقتصر دور المؤسسة على تقديم التمويل ثم الانسحاب من المشروع.
السؤال الرابع: الحرب دمرت الكثير من مؤسسات الدولة. ماذا خسر الجهاز من مقرات وقواعد بيانات ومشروعات ممولة؟ وكيف تتعاملون الآن مع الخريجين الذين فقدوا مشروعاتهم بسبب الحرب؟
الإجابة:
كانت الحرب كارثة وطنية واسعة النطاق، وكان الجهاز والخريجون من بين الجهات التي تعرضت لخسائر كبيرة فقد الجهاز مقره الرئيسي في العاصمة، كما تضررت أو فُقدت مقرات ولائية وتجهيزات وممتلكات، وتعرض بعضها للتدمير أو النهب.
وعلى مستوى المعلومات تضررت خوادم وملفات ووثائق ورقية، ومع ذلك بذلت فرق الجهاز جهوداً استثنائية لاستعادة ما يمكن استعادته من البيانات، وجمع السجلات المتوفرة لدى الولايات الآمنة والشركاء، وإعادة بناء جزء مهم من قواعد البيانات بصورة إلكترونية، وما زالت عملية الحصر والمراجعة مستمرة للوصول إلى صورة دقيقة وشاملة.
أما مشروعات الخريجين، فقد دُمرت أو توقفت أعداد كبيرة منها في الخرطوم والولايات المتأثرة، وفقد كثير من أصحابها مصدر دخلهم، واضطروا إلى النزوح أو الفرار، بينما فقد بعضهم المعدات ورأس المال ومكان العمل في وقت واحد.
نتعامل مع هؤلاء الخريجين باعتبارهم متضررين من ظرف قاهر، ونعمل على اتخاذ مجموعة من الإجراءات، من بينها مراجعة أوضاع التمويلات والمرابحات القديمة، وبحث إمكانات التأجيل أو التسوية أو الإعفاء وفق الضوابط القانونية والمالية المعتمدة، وبالتنسيق مع مصرف الادخار والتنمية الاجتماعية ومؤسسات التمويل ذات الصلة.
كما نمنح الخريجين المتضررين أولوية في برامج التعافي وإعادة الإعمار والبرامج الطارئة الموجهة إلى الولايات الآمنة، مع التركيز على مساعدتهم في استعادة مصادر دخلهم بصورة عملية ومستدامة، لا بمجرد تقديم حلول مؤقتة.
السؤال الخامس: كثر الحديث عن أن التوظيف في الجهاز كان يتم عبر الواسطة والمحسوبية لا عبر الكفاءة، ما ردكم على هذا الاتهام؟ وكيف تضمنون العدالة الآن؟
الإجابة:
نحترم كل نقد يستهدف تحسين الأداء وتعزيز المؤسسية، وندرك أن الحديث عن الواسطة والمحسوبية يعبّر في كثير من الأحيان عن ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسة، ولذلك لا ينبغي تجاهله أو التعامل معه باستخفاف.
ردنا الواضح هو أن أي تجاوز فردي، إن ثبت لا يمثل السياسة التي ينبغي أن تحكم عمل الجهاز، لكنه يستوجب التحقيق والمساءلة والمعالجة، كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات واضحة تجعل الحصول على الخدمة أو فرصة التمويل قائماً على معايير معلنة، وليس على العلاقات الشخصية.
ولهذا نعمل على بناء منظومة أكثر شفافية وعدالة، تقوم على تقديم الطلبات والخدمات والفرص عبر منصة إلكترونية موحدة كلما توافرت الإمكانات الفنية، ويجري تقييم الطلبات وفق معايير محددة، تشمل الاستحقاق، وجودة دراسة الجدوى، والكفاءة، والأولوية الاجتماعية، وقابلية المشروع للتنفيذ.
كما تُحال قرارات التمويل والتشغيل إلى لجان فنية مختصة، مع تعزيز الرقابة والتوثيق وإتاحة قنوات للتظلم والاستفسار، وسنواصل العمل على نشر معايير الاختيار وإجراءات التقديم بصورة واضحة، لأن العدالة لا تكتمل بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى آليات يمكن للجمهور مراجعتها ومساءلة المؤسسة على أساسها.
السؤال السادس: بعد استعادة الخرطوم وأم درمان، ما خطتكم العاجلة لمرحلة ما بعد الحرب؟ وهل لديكم برامج جديدة تتناسب مع واقع الخريج الذي فقد كل شيء ويحتاج إلى البدء من الصفر؟
الإجابة:
تمثل مرحلة ما بعد الحرب نقطة انطلاق لإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد واستعادة سبل العيش، ومن هذا المنطلق، يعمل الجهاز على إعداد برنامج عاجل للتعافي وإعادة البناء يستجيب لاحتياجات الخريجين المتضررين ولأولويات المرحلة الجديدة.
يرتكز البرنامج على ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: هو توفير تمويل طارئ لمشروعات سريعة الأثر، ولا سيما المشروعات الخدمية والإنتاجية الصغيرة التي يمكن أن تبدأ خلال فترة قصيرة، وتساعد في إعادة تشغيل الأسواق وتوفير الخدمات وفرص العمل في المناطق التي بدأت تستعيد نشاطها.
أما المسار الثاني: فهو التدريب التحويلي وإعادة التأهيل، وسنركز على دورات عملية ومكثفة في ريادة الأعمال وإدارة المشروعات المرنة، إلى جانب المهن التي يحتاج إليها سوق العمل في مرحلة الإعمار، مثل المقاولات والإنشاءات والطاقة الشمسية والخدمات التقنية والتصنيع الغذائي.
ويتمثل المسار الثالث: في توسيع الشراكات مع الولايات الآمنة وولايات التماس والجهات التمويلية والمنظمات التنموية، بهدف توجيه طاقات الخريجين إلى حزم إنتاجية في الزراعة والإنتاج الحيواني والصناعة والخدمات، ونريد أن تكون هذه البرامج مرتبطة باحتياجات الأسواق الفعلية، حتى يتحول التمويل والتدريب إلى إنتاج وفرص عمل لا إلى التزامات جديدة على الخريج.
السؤال السابع: ما رسالتكم الأخيرة إلى آلاف الخريجين العاطلين الذين فقدوا الأمل، ويقولون إن الجهاز مجرد لافتة بلا خدمة؟
الإجابة:
رسالتي إلى الخريجين والخريجات هي أننا نتفهم مشاعر الإحباط والعتاب، ولا نلوم أي شخص فقد الأمل بعد ما مر به السودان من حرب ونزوح وفقدان للممتلكات وفرص العمل، فهذه معاناة حقيقية، ومن حق الخريجين أن يطالبوا بمؤسسة فاعلة ونتائج ملموسة.
وفي المقابل أؤكد أن الجهاز القومي لتشغيل الخريجين ليس مجرد اسم أو لافتة، بل هو مؤسسة وطنية أُنشئت من أجل دعم الخريجين، ونحن نعمل على إعادة بناء أدائه وتطوير أدواته ليكون أكثر عدالة وفاعلية واستجابة للواقع الجديد.
لا نريد أن نقدم وعوداً عامة أو شعارات بعيدة عن الواقع، لكن ما نعد به هو العمل على برامج واضحة في التمويل والتدريب والمتابعة، وعلى توسيع الشراكات، وإعطاء الأولوية للمتضررين، وتحسين وصول الخدمة إلى الخريجين في مختلف الولايات.
أدعو الخريجين إلى عدم فقدان الثقة في قدراتهم، وإلى التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لإعادة البناء والابتكار، فإعمار السودان لن يعتمد على الموارد وحدها، بل على عقول أبنائه ومهاراتهم ومشروعاتهم، وواجبنا في الجهاز أن نقف إلى جانبهم بخطط واقعية، وأن نرافقهم خطوة بخطوة في طريق البدء من جديد.
أيدينا ممدودة لكل خريج وخريجة، وسنعمل معاً من أجل أن يتحول الأمل إلى مشروعات، والمشروعات إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى تعافٍ اقتصادي ونهضة وطنية.