عايدة سعد تكتب.. ما بين مرض البشير وتجاهل البرهان.. “الدفعة للدفعة رحمة”يا سعادتك

في السياسة السودانية، يبدو أن الذاكرة قصيرة.. لكن المواقف لا تموت، بالأمس كان الرئيس السابق عمر البشير هو الرجل الذي يمسك بكل مفاتيح الدولة، واليوم يقف في موقع آخر، بينما رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان هو صاحب القرار والسلطة.

وبين الرجلين حكاية تختصرها عبارة سودانية بسيطة”الدفعة للدفعة رحمة”، فالبشير، في سنواته الأخيرة، لم يكن في أفضل حالاته الصحية. ومع تصاعد الضغوط السياسية والاحتجاجات، كان ملف سفره وعلاجه خارج السودان حاضراً في النقاش العام، وسط قيود ومخاوف سياسية وأمنية مرتبطة بخروجه من البلاد.

واليوم، وبعد سقوط نظامه، يجد البشير نفسه في موقع مختلف تماماً؛ سجيناً، ومريضاً، بينما القرار بخصوص نقله أو السماح له بالسفر أصبح بيد السلطة التي جاءت بعده.

وهنا تبدأ المفارقة، هل يتعامل البرهان مع البشير باعتباره خصماً سياسياً سابقاً، أم باعتباره إنساناً مريضاً؟… فالسياسة لها حساباتها، والعدالة لها مساراتها، لكن المرض له منطقه الخاص.
إذا كان هناك ملف قضائي، فليأخذ طريقه أمام القضاء. وإذا كانت هناك حقوق للدولة، فلتحفظ بالقانون. وإذا كان هناك خوف أمني من السفر، فليكن القرار القضائي والأمني واضحاً معلناً، لكن أن يتحول المرض إلى ورقة في الحساب السياسي، فهنا يصبح السؤال أكبر من البشير والبرهان.

لأن الدولة التي تريد أن تؤسس لعهد جديد لا ينبغي أن تعيد إنتاج الأدوات القديمة، ولا أن تجعل الانتقام بديلاً عن العدالة.
والأهم أن السودان لا يحتاج إلى المزيد من دوائر الانتقام.
البشير حكم سنوات طويلة، وله خصومه وملفات حكمه، والبرهان جاء بعد سقوط ذلك النظام حاملاً وعوداً مختلفة، لكن الفرق بين الدولة والخصومة السياسية هو أن الدولة لا تنتقم،الدولة تحاكم.
وقد يكون من حق السلطة أن تمنع السفر إذا كانت هناك أسباب قانونية أو أمنية معتبرة، لكن في المقابل، من حق الرأي العام أن يسأل عن الأساس القانوني لأي قرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخص مريض.
قد يختلف الناس حول البشير وحكمه، وقد يختلفون حول البرهان وسياساته، لكن هناك قاعدة لا ينبغي أن تختلف عليها الدولة، فالمريض يجب أن يعالج، والمتهم يحاكم، والمحكوم يعامل وفق القانون، أما أن تختلط هذه الملفات ببعضها، فذلك يعيدنا إلى المربع الأول.
كما أن عبارة “الدفعة للدفعة رحمة” ترسخ أن يعامل البشير معاملة تليق به في الرتبة العسكرية والرئاسية.
فهذه البلاد لا تحتمل حكماً يقوم على تصفية الحسابات، ولا معارضة تقوم على الثأر، ولا دولة تتعامل مع خصوم الأمس بمنطق خصوم اليوم…. البشير ذهب…والسنوات مضت..ونحن اولاد النهار ده يا سعادتك..