قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله،إمامٌ مرَّ… فترك أثرًا لا يزول

قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

إمامٌ مرَّ… فترك أثرًا لا يزول

كتب : الوليد الليثي

 

 

حين يُذكر المسجد العتيق، لا يُستحضر المكان وحده، بل ينهض في الذاكرة رجلٌ كان للمحراب سنده، وللناس ملاذهم، وللكلمة معناها؛ إنه الإمام عبيد محمد علي، عليه رحمة الله ورضوانه. لم يكن مجرد إمامٍ يؤم الناس في صلواتهم، بل كان روحًا تسكن المسجد، وصوتًا يطمئن القلوب، ووجهًا يعرفه الداخل قبل أن يعرف جدران المكان.
وُلد الإمام عبيد محمد علي في الكُتيّاب، ريفي الدامر، في نهاية أربعينيات القرن الماضي، ونشأ في بيئةٍ ريفيةٍ نقية، تشربت القيم قبل العلم، وتعلّمت الوقار قبل البيان. وكانت والدته أمّنا الحاجة سِيدة عثمان دعاك – رحمها الله – مثالًا للصبر والتقوى، فغرسَت فيه مكارم الأخلاق، وربّت فيه حبّ الدين وخدمة الناس، فكان أثرها ظاهرًا في سلوكه وسمته طوال حياته.
وعاش فترةً من نشأته وسط أخواله: خليل دعاك وبابكر دعاك – تقبّلهم الله بواسع رحمته – فوجد في كنفهم السند والقدوة، وتعلّم بينهم معاني التكافل والكرم، وحُسن المعشر، واحترام الكبير، والقيام بحقوق الجيرة، وهي القيم التي لازمته حتى صار بها مثالًا يُحتذى.
في بداية حياته العلمية، عمل الإمام عبيد محمد علي بمحطة الحديبة، وكان مثالًا للتفاني والإخلاص في عمله، فترك أثرًا في زملائه وسمعة طيبة عن اجتهاده وأمانته، ما عزّز مكانته بين الناس قبل أن يعرفوه إمامًا.
درس بالدامر، وتلقى علومه الشرعية هناك، وكانت من أهم محطاته العلمية تلمذته على يد شيخنا الجليل مجذوب النَّقَر، كما انتهج في فكره ومنهجه القائم على الوسطية، والحكمة، ولين الخطاب، وربط الدين بحياة الناس دون تشدد أو تعقيد، فكان داعيةً بالفعل قبل القول.
ثم استقر به المقام في الشعديناب، فصار المكان له وطنًا، وأهله أهلًا وظهرًا وسندًا. عاش بينهم واحدًا منهم، لا غريبًا ولا متعاليًا، يشاركهم تفاصيل حياتهم، ويعرف همومهم، ويقاسمهم الفرح والترح.
ارتبط الإمام عبيد محمد علي بأهل الشعديناب بعلاقةٍ تجاوزت حدود الإمامة إلى معاني الألفة والوفاء. كان قريبًا من الشيوخ توقيرًا، ومن الشباب توجيهًا، ومن الأطفال رحمةً وابتسامة. يطرق أبواب المرضى قبل أن يُسأل، ويواسي المحتاج بصمتٍ كريم، ويصلح بين الناس بالحكمة والكلمة الطيبة. لم يكن بينه وبين الناس حاجزُ مقامٍ أو مسافةُ منصب؛ فالمسجد عنده امتدادٌ للحي، والحي امتدادٌ للمسجد، ولذلك أحبّه الناس محبةً خالصة، وارتبط اسمه بالشعديناب كما ترتبط الجذور بالأرض.
عاش الإمام عبيد محمد علي بسيطًا في هيئته، عظيمًا في أثره، لا يتكلف القول ولا يتصنع الوقار، فقد كان الوقار يسكنه كما يسكن الضوء الفجر. إذا اعتلى المنبر، جاءت كلماته هادئةً عميقة، تخاطب الفطرة قبل السمع، وتلامس القلب قبل العقل، لا صخب فيها ولا ادعاء، إنما صدقٌ خالص ونصحٌ أمين.
كان المسجد العتيق في عهده مدرسةً مفتوحة، يتعلم فيها الناس معنى الصلاة، ومعنى الأخلاق، ومعنى أن يكون الدين سلوكًا قبل أن يكون نصًا. علّم بفعله قبل قوله، وربّى بصبره قبل موعظته، فكان قريبًا من الكبير، رحيمًا بالصغير، حاضرًا في أفراح الناس وأتراحهم.
وحين غاب جسده، لم يغب ذكره؛ فالمحراب ما زال يفتقد صوته، والمنبر ما زال يحنّ لخطاه، وأهل الشعديناب ما زالوا يذكرونه كلما ارتفع الأذان، وكلما امتدت الأكف بالدعاء.
هكذا يمضي الصالحون في هدوء، لكن آثارهم تبقى شاهدةً لهم لا عليهم؛ يمضي الجسد ويبقى الذكر، وتبقى الدعوات التي رُفعت بصدق، والكلمات التي قيلت لله لا لغيره. لقد كان الإمام عبيد محمد علي نموذجًا للإمام الذي عاش للناس وخدم الدين بسلوكه قبل خطابه، فاستحق أن يُذكر بالخير ما ذُكر المسجد العتيق وما تنفّس الشعديناب صلاةً وأذانًا.
رحم الله الإمام عبيد محمد علي، ورحم والدته الحاجة سِيدة عثمان دعاك، وتقبّل أخواله خليل دعاك وبابكر دعاك قبولًا حسنًا، وجعل ما قدّموه في ميزان حسناتهم، وقبورهم روضاتٍ من رياض الجنة، وذكراهم أثرًا طيبًا لا ينقطع، وجزاهم عن المسجد العتيق وعن الشعديناب وأهلها خير الجزاء.
هذة المرة لن أكتب تاريخ وفاته كغير العادة، إيمانًا منا أن تظل ذكراه باقية دائمًا.