
لجنة الفكي وبلاغ “الجديد عمران”.. هل أُعيدت كتابة الجريمة لحماية المتهمين؟
الجزيرة/ تقرير
في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بولاية الجزيرة، تكشف وقائع بلاغ قرية “الجديد عمران” عن مشهد مقلق تتداخل فيه الخصومات الشخصية، والنفوذ الإداري، والتلاعب بالإجراءات العدلية، حتى بدا وكأن العدالة نفسها تقف على حافة الانهيار.
القصة تبدأ بالمدعو يوسف مصطفى، أحد أبناء قرية “الجديد عمران”، والذي تشير معلومات متقاطعة إلى انضمامه لمليشيا الدعم السريع برفقة آخرين من أبناء المنطقة. ووفق إفادات محلية، لم يكن مجرد عنصر عابر داخل المليشيا، بل حوّل منزل أسرته إلى نقطة ارتكاز عسكرية، وشارك في عمليات واسعة استهدفت قرى بولاية الجزيرة، بينها أحداث “السريحة” التي خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة.
في السادس والعشرين من مارس 2025، ومع تقدم القوات النظامية نحو “الجديد عمران” لاستعادة السيطرة على المنطقة، قُتل يوسف مصطفى خلال مواجهة عسكرية مباشرة.
لكن مقتل الرجل لم يكن نهاية الحكاية، بل بدا وكأنه بداية فصل جديد أكثر تعقيداً.
بحسب مصادر مطلعة، استغلت أسرة القتيل الحادثة لإحياء خلافات قديمة مع أسرة أخرى داخل القرية، وقامت بتدوين بلاغ تحت المادة (130) “القتل العمد” ضد الشقيقين (ع. ح) و(ج. ح) بتهمة التحريض على القتل.
المفارقة الأساسية، بحسب مستندات حصلت عليها الصحيفة، أن المتهمين لم يكونا داخل القرية وقت الواقعة، ولم تربطهما أي صلة بالقوة النظامية التي خاضت العملية العسكرية.
وبسبب ضعف البينات، أُفرج عن الشقيقين بالضمانة، وأيدت قرارات الإفراج جهات الاستئناف المختصة. غير أن القضية أخذت منحى أكثر تعقيداً عندما اختفى شهود الاتهام، ليتبين لاحقاً أن بعضهم مطلوبون لدى الأجهزة الأمنية والمباحث المركزية للاشتباه في التعاون مع المليشيا.
مصادر قانونية أكدت أن محاولات جرت لسحب البلاغ من المباحث، إلا أن رئيس النيابة رفض ذلك أكثر من مرة، متمسكاً باستمرار الإجراءات القانونية وفق مسارها الطبيعي.
غير أن تطوراً مفاجئاً غيّر مجرى القضية بالكامل.
فبموجب ما عُرف لاحقاً بـ”لجنة الفكي”، أُعيد فتح الملف عبر مسار مختلف، حيث جرى سحب البلاغ وتشكيل لجنة جديدة للنظر فيه، رغم وجود اعتراضات قانونية على هذا الإجراء.
وتشير المعلومات إلى أن الشهود المطلوبين أمنياً مثلوا أمام اللجنة الجديدة بعيداً عن الإجراءات المعتادة، لتبدأ بعدها عملية إعادة صياغة كاملة للوقائع، في تحول وصفه مراقبون بأنه محاولة لإعادة إنتاج صورة القتيل من متهم بالتعاون العسكري مع المليشيا إلى “رمز وطني” داخل ملف القضية.
الأكثر إثارة، وفق المصادر ذاتها، أن المسؤول عن هذه اللجنة كان قد صدر بحقه قرار إيقاف من النائب العام، ومع ذلك ظل يباشر عمله ويتابع هذا الملف تحديداً، في خطوة تطرح أسئلة عميقة حول شرعية ما جرى.
القضية وصلت لاحقاً إلى دائرة الطلبات بولاية الجزيرة، حيث طُلب ملف البلاغ للمراجعة، قبل أن يُعاد في اليوم التالي دون حسم أو قرار واضح، ليعود مرة أخرى إلى اللجنة نفسها.
هذا التسلسل السريع، والغموض الذي أحاط به، فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول طبيعة التدخلات التي صاحبت الملف، وحول ما إذا كانت العدالة تُدار وفق القانون أم وفق موازين أخرى.
اليوم، لا تبدو قضية “الجديد عمران” مجرد ملف جنائي، بل اختباراً حقيقياً لمؤسسات العدالة في السودان:
هل تُفتح الأوراق من جديد لكشف الحقيقة كاملة؟
أم يُترك الأبرياء رهائن لبلاغات أعيدت هندستها خارج ميزان القانون؟